ذ. محمد زمـــران: بين صحافة وصحافة يحتار القراء !..
بواسطة: فضاءات بتاريخ : الأربعاء 01-09-2010 03:32 مساء
لا يجادل أحد في أن الصحافة بكل مكوناتها، هي المرآة التي تعكس عمل المجتمعات، وهي واحدة من تلك المهن التي تتطلب وقتا طويلا، وجهدا مضنيا لمزاولتها، والمتعارف عليه في كل بلدان المعمور، أن الصحافة سلطة رابعة، تمارس رسالتها بحرية مسؤولة في خدمة المجتمع، تعبيرا عن مختلف اتجاهات الرأي العام، وإسهاما في تكوينه وتوجيهه من خلال حرية التعبير، وممارسة النقد ونشر الأنباء، وذلك كله في إطار المقومات الأساسية للمجتمع، وأحكام الدستور والقانون، بحيث أعطي للصحفي حق الحصول على المعلومات والأخبار المباح نشرها، طبقا للقانون من مصادرها، سواء كانت هذه المصادر جهة حكومية أو خاصة، غير أن حرية التعبير هذه، لاتعفي الصحفي من أن يلتزم فيما ينشره، بالمبادئ والقيم التي يتضمنها الدستور، متمسكا فى كل أعماله بمقتضيات الشرف والأمانة والصدق وآداب المهنة وتقاليدها، بما يحفظ للمجتمع مُثُله وقيمه، وبما لا ينتهك حقا من حقوق المواطنين، أو يمس إحدى حرياتهم،
وبما أنها مهنة شريفة، فإنها تلزم العامل في حقلها أيضا أن يتحلى بأخلاقياتها .. ويطبق القوانين المسطرة، خصيصا لهذه المهمة التي ترتكز أساسا على استعمال الضوابط المشار إليها أعلاه، بهدف تنوير الرأي العام الوطني.
أجل إننا كصحافيين محترفين، نؤمن بهذا الطرح أشد الإيمان، لكن ما بات يقض المضجع .. يتمثل في تصرفات بعض الجرائد - التي ربما تغير عليها الماء كما يقولون- وأصبحت تبحث عن المواضيع التي تثير انتباه القراء، طمعا في المزيد من مبيعاتها التي تقلصت بفعل ما عرفته الساحة من تطور في تكنلوجيا الإعلام، وهذا دون ايلاء أدنى اعتبار لما تترك من آثار سيئة في النفوس .. ولضمان مواصلة مسيرتها، أخذت جاهدة في حكيها لقصص أناس رحلوا عن هذا العالم إلى العالم الآخر منذ مدة ليست بالقصيرة .. وتنبش في لحومهم، رغم أن المستحسن هو ذكر الموتى بخير، والغريب في الأمر أن معظم الذين يقرؤون هذه القصص الآن، هم من الجيل الجديد ولا يعرفون شيئا عن أبطال قصص الجرائد التي (…) علاوة على نشرها بعض المذكرات يحكي أصحابها عن مساراتهم في السجون إبان القرن الماضي .
وعلى هذا، فقد علق أحد الظرفاء قائلا: " إن مثل هذه الجرائد، مثل الجدات اللائي كن يحكين لأحفادهن قصص العصور الغابرة .. وبهذا التشبيه يريد صاحبنا القول بأن الجرائد المعنية فقدت القدرة على الانسجام مع الحاضر، ولم يبق لها ما تقوله في الميدان، لهذا عاودها الحنين إلى الماضي المظلم .. تسخر صفحات عديدة من صفحاتها، مثلا لنشر حكايات وتصاريح المشاركين إبان سنوات الرصاص في الانقلابات العسكرية التي كانت تستهدف الملك الراحل الحسن الثاني، بحيث يسردون تفاصيل طويلة، تهم التخطيطات المخربة التي قاموا بها بمعية رؤسائهم آنذاك، الذين كانوا يطمعون في الاستيلاء على الحكم.
هذا نوع من الجرائد .. وهناك نوع ثاني، يتمثل في الصحف التي أصبحت أخطارها تهدد كل البيوت، وتندر بشتات الأسر المحافظة .. وتزرع بوادر الانحراف بكل أشكاله في المجتمع، وتأخذ على عاتقها إفساد أخلاق شبابنا، وتزويده بكل ما يساعد على الانغماس في ويلات العالم الغربي .. نعم سمحت لنفسها بنشر كل شيء عبر صفحاتها، ولا تتوانى في خرق قوانين الصحافة التي تحدثنا عنها في مستهل موضوعنا هذا، فاسحة المجال لحواسيبها بنثر كل أنواع الكلام الكبير .. والمصطلحات الغريبة والصور الفاضحة التي يندى لها الجبين .. دون إعارة أي اعتبار لشعور الآخرين، ودون أن تكترث بأن ما ينشر يكون بمثابة دروس مجانية تهدي القراء إلى سلك سبل الانحراف والوصول إلى الهاوية، وهذا النوع نجده ينطبق على يومية تعد من أكبر اليوميات التي تصدر بالدار البيضاء.
وان الباعث الذي دفعني لتناول هذا المقال، هو المواجهة الساخنة التي طفت مؤخرا على السطح، بين جريدة المساء، ويومية الصباح، بحيث أصبحت كل واحدة منهما تبحث عن غسيل الأخرى لتنشره للقراء، الشيء الذي لا محالة سيشعل فتيل حرب ضروس بين المنبرين، مما يجعل مشواراهما في الحقل الصحفي يعرف انحرافا خطيرا، لا يليق بزملاء في المهنة، هدفهم الوحيد والموحد هو الرقي بالساحة الصحفية وجعلها تتقدم بين الأمم.
وعلى هذا الأساس، نتساءل: " أين هذا الفعل من المهنية التي يتطلبها العمل الصحفي، وأين أخلاقيات المهنة التي تعد من الأولويات، وأخيرا ترى لمصلحة من يتم ترويج مثل هذه الصور، التي من شأنها الحط من كرامة المواطنين المغاربة..؟ " رغم أن دور الصحافي هو تنوير المجتمع بما يفيد، وكما هو متفق عليه .. فهو ضمير الأمة، ولسان حالها، الذي يبقى أمينا على مبادئها وموروثها، ويفتح الآفاق الواسعة المستقبلية، وليس دوره زرع نماذج الانحراف والإحباط، والقصف بالصواريخ المدمرة للأحاسيس الوطنية، ونشر الفضيحة .. ويخطيء من يظن من بعض ناشري الجرائد، أو مديريها أن إقدامهم على تناول المواضيع الساخنة، هو الذي بوسعه دفع وتطور جرائدهم، بل التوازن في الحضور، والتوازن في الخلق والابتكار، وتسخير الإمكانيات والطاقات البشرية، هذه العوامل مجتمعة هي السبيل الوحيد والسليم المؤدي إلى الرقي والظفر بالأمجاد.
وختاما يمكنني أن أجزم بأن التصرف المشين الذي تتعامل به هذه الجرائد، سواء مع القراء، أو مع بعضها البعض .. لا يمت بصلة للصحافة التي هي قبل كل شيء فن وإبداع، وليست مطية للوصول إلى المبتغيات الذاتية .. ولا يسعني في مثل هذه الحالة إلا أن أرفع أكف الضراعة إلى ملهم العباد ليجنبنا شرور ما تقدمه مثل هذه الجرائد، وأنا أردد قولة الشارع العام: " اللـه يفيقها بعيبها " اعني الجرائد (...) آمــــــــين !
تعليق
[تاريخ المشاركة : الأربعاء 01-09-2010 03:57 مساء ]
إن الصحافة رغم كل ما عرفت من تغيرات في العالم إلا أنها لا زالت في بلادنا لم تصل إلى النضج التي وصلت إليه الصحافة الغربية، ذلك أن القوانين المنظمة لمهنة الصحافة قوانين تصب في صالح التوافق مع النظام وليس المصادمة معه شانها شأن العمل الحزبي والنقابي ، أي أن القانون فصل جلبابا للصحافة يجب عليها ارتدائه كما فصل للأحزاب والنقايات جلابيب على المقاس. لذلك يضع النظام العراقيل للوصول إلى الأخبار خصوصا المهمة منها أي السياسية والقضائية والمخزنية.
أما المواضيع الأخرى فيترك الحرية للصحافة تناولها كيف تشاء وحتى المقدسات الدينية لم يعد يضع ضوابط لها فتجد الجرائد باسم حرية التعبير (هنا فقط في الدين و في بعض القطاعات كالتعليم) تكتب كيف تشاء تفتي كيف تشاء تنتقد كيف تشاء دون حسيب أو رقيب بالمقابل تحسب ألف حساب أثناء إثارة مشاكل من قبيل الصحراء والمدن المحتلة وقضايا المخزن والموارد الطبيعية للبلاد، إنها صحافة النفاق والخداع. وإن كانت الصحافة مجبرة على الكتابة فلتكتب خيرا أو تصمت.
------------------ سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك