العمل الجمعوي بين الدوافع السياسية ومتطلبات التنمية المحلية
بواسطة: فضاءات بتاريخ : السبت 13-06-2009 07:03 مساء
ذ موسى عزوزي
شهدت عملية تأسيس الجمعيات المحلية التي تتبنى مشكلة التنمية حركية كبيرة، منذ أواسط التسعينيات من القرن العشرين، وارتفعت هذه الوثيرة مباشرة بعد الإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في خطاب 18 ماي2005، غير أن ولادة الكثير من الجمعيات لم تكن شرعية و لا بريئة، وإنما كان الهدف الضمني لدى بعض المنتفعين والانتهازيين انتخابويا أو مصلحيا ضيقا، متدثرا بعباءة التنمية المحلية .
بعد عقود من التضييق على العمل الجمعوي بالمغرب، حيث كانت الدولة تصرف الأموال الطائلة لتشجيع جمعيات الوديان والسهول والهضاب ... وتتدخل بشكل مباشر في هيكلة أجهزة تلك الجمعيات، التي تولد في رحم السلطة، وفي فمها ملاعق من ذهب، فتستفيد من صفة جمعية ذات النفع العام، كل ذلك من أجل مواجهة العمل الجمعوي التقدمي الذي راهن على الارتباط بالجماهير وتأطير الطفولة والشباب، بإمكانيات ذاتية محدودة، و في مناخ يطبعه التضييق والقمع بشتى الوسائل.
وبعد الانفراج النسبي الذي شهده المغرب أواسط التسعينيات، تأسست العديد من الجمعيات التي رفعت شعار التنمية، واستفادت من التمويل بواسطة علاقات مع منظمات أجنبية غير حكومية، وتمكنت بعض تلك الجمعيات من إنجاز مشاريع متنوعة بالوسط القروي كالماء الصالح للشرب، والمشاريع الصغيرة المدرة للدخل لفائدة النساء.
غير أن التحول الذي شهده السياق الدولي بإعلان الحرب على الإرهاب، سيفرض قيودا صارمة على تمويل الجمعيات، التي اتجهت إلى البحث عن منافذ التمويل الداخلي، وهكذا استفادت بعض الجمعيات المحظوظة من برنامج محاربة الأمية، الذي لا يزال بمثابة بقرة حلوب للبعض، رغم أن نسبة الأمية ترتفع سنة بعد أخرى، مما يعني فشل الدولة والجمعيات المستفيدة من الدعم المالي، في القضاء على آفة الأمية، التي تعتبر من أقوى المؤشرات المعتمدة في ترتيب المغرب في أدنى مراتب التنمية البشرية.
ومنذ الإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، سينطلق السباق نحو تأسيس الجمعيات التنموية، لأجل الظفر بالتمويل، قبل أن يتضح أن اللجان الإقليمية للمبادرة لا تصادق بسهولة على المشاريع المرشحة، ورغم ذلك فإن علاقات القرب من السلطة، جعلت بعض المقربين، يستفيدون بشكل أو بآخر من برامج مبادرة التنمية.
وإذا استثنينا جمعيات تكاد تكون معدودة عل رؤوس الأصابع، بذلت مجهودات كبيرة لمعالجة قضايا التنمية المحلية، فأنجزت مشاريع ناجحة لصالح الساكنة ، فإن معظم الجمعيات التي تمتطي قضية التنمية، قد ولدت ميتة بسبب الطموحات الشخصية لمؤسسيها في الإثراء غير المشروع على حساب المال العام ، أو التقرب من السلطة لنيل المكاسب والمنافع .
وفي السياق ذاته فضل بعض الأشخاص ركوب العمل الجمعوي من أجل الوصول إلى كراسي الهيئات والمجالس المنتخبة، وهكذا يستغلون قضية التنمية التي تشكل هاجسا قويا لدى الساكنة من أجل حصد الأصوات، وبمجرد نجاح أو فشل المرشح، يتوقف نشاط الجمعية أو يعلن عن موتها.
وبصيغة أخرى يمكن القول إن الأغراض الانتخابوية مع ما تعنيه من انتهازية ووصولية، قد أدت إلى تمييع العمل الجمعوي، حيث أن الأشخاص الفاشلين في أحزابهم أو المرتحلين من حزب إلى آخر والمنبوذين سياسيا، قد وجدوا في جمعيات الدواوير والأحياء ضالتهم، لاستقطاب المواطنين باستغلال ظاهرة عزوف الشباب عن العمل السياسي، وضعف إمكانيات الأحزاب، لممارسة مهامها التأطيرية على الوجه المطلوب.
إن استغلال ما يسمى بالجمعيات التنموية لأغراض انتخابوية، يعد من أخطر الظواهر التي تهدد التنمية المحلية، و يحولها إلى شعارات جوفاء، ووعود زائفة، سرعان ما تتبخر، بينما قضية التنمية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية هي أكبر من شعار، إنها من الأولويات و التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، وتتطلب اقتدارا معرفيا بالمجال الجغرافي والسكاني وضبطا لحاجياته وتطلعاته، وبالتالي ضرورة الإلمام عن قرب بالخصوصيات المحلية.
فإلى أي حد يتوفر مؤسسو وأعضاء الكثير من الجمعيات التنموية المحلية على المؤهلات اللازمة، للنهوض برهان التنمية؟ وهل يعد تكوين هؤلاء الأعضاء في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو بإشراف وكالة التنمية الاجتماعية، عملا كافيا في غياب التكوين الذاتي والإرادة الذاتية ؟... أسئلة وأخرى نطرحها في سياق ما تعرفه الساحة الجمعوية من حركية وانتظار وترقب وأوهام وأحلام تتكسر على صخرة الواقع الصلبة .
إن التنمية المحلية معضلة كبيرة، ترتبط بما هو وطني ودولي، و لذلك فإن الوعي التام بشروطها ومتطلباتها وتحدياتها يعد أساس الانطلاق في مسيرتها الطويلة والشاقة؛ وزيادة على هذا يعد الوازع الأخلاقي والروح التطوعية وحب المنطقة أو البلدة ضامنا قويا لصياغة مشاريع حقيقية، والنضال من أجل تنفيذها على أرض الواقع بكل تفان و نكران للذات.